Archive for 26 فبراير, 2007

العدد 132 أ : محاورات مع المعلم ,تنظيم الرحلة

فبراير 26, 2007
 

لازلت أنقل لكم هنا مقتطفات من مذكراتي بين عامي 1982 و 1986 أثناء حواراتي مع (ج)، صديقي ومعلمي في الـ (ريجنوس أجنوس موندي). أتذكر أنني كنت ألتمس مشورته دائماً قبل أن أتخذ أي قرار. (ج) عادة يؤثر الصمت لبعض الوقت قبل أن يتحدث:

” الناس الذين هم جزء من حياتنا اليومية بإمكانهم منحنا نقاط هامة لقرارات نحتاج أن نتخذها. ولهذا الغرض فإن كل ما نحتاج هو عينٌ حادة وأذنٌ صاغية، لأن أصحاب الحلول الجاهزة دائماً مشكوك في أمرهم.

” وإنه من الخطير جداً أن نسأل أحداً النصيحة، ومن الخطير جداً أيضاً أن نقوم بالنصيحة، ذلك لو كان لدينا أدني إحساس بالمسئولية تجاه الشخص الأخر. فلو احتاج أحداً المساعدة، فمن الأفضل أن نري كيف يحل الآخرون مشاكلهم حتى لو لم يستطيعوا. بداخلنا ملاك غالباً ما يستخدم شفتي أحدٍ ما ليخبرنا شيئاً، ولكن هذا الرد يأتي عَرضاً، عادةً في تلك اللحظة التي لا ندع لقلقنا أن يلقي بظلاله علي روعة الحياة. اسمحوا لملاكنا بالتحدث بالطريقة التي يعرفها، وهي في تلك اللحظة التي يراها ضرورية. فالنصيحة مجرد نظرية، الحياة دائماً مختلفة جداً.”

ثم أخبرني بتلك القصة الشيقة:

لقد كان السيد (كايس) يسير في الصحراء مع أتباعه عندما عثر علي راهب كان يعيش هناك منذ أعوام. فما لبث أن أمطره الأتباع بوابل من الأسئلة عن الكون، ولكنهم اكتشفوا في النهاية أن الرجل لم يكن يملك من الحكمة ما بدا عليه أنه يمتلك. ولمَّا أخبروا (كايس) بهذا الأمر، أجاب قائلاً:

” لا تستشر أبداً رجل قلِق، حتى لو كان يبدوا ناصحاً جيد، ولا تطلب مساعدة من مغرور، مهما بدا فطناً، فإن القلق والغرور يحجبان المعرفة. وقبل كل ذلك، لا تنخدع بأولئك الذين يعيشون في عزلة، فعادة لم يكونوا هناك لأنهم ضحوا وتخلوا عن كل شيء وإنما لأنهم لم يعرفوا كيف يتعايشون مع الآخرين. أيُ حكمةٍ تلك تنتظرها من هذا الصنف من البشر ؟! “

لقد غادر (ج) المطار وسافر وتركني أفكر وحيداً في حديثنا. لقد كنت أحتاج المساعدة، لأني دائماً أرتكب نفسَ الأخطاء مراراً وتكراراً. حياتي حامت حول مشاكل قديمة، وبين الحين والآخر كنت أتصدي لمواقف اعترضت طريقي لمراتٍ عديدة من قبل. كل هذا أحبطني و جعلني أشعر بالعجز أمام إحراز أي تقدم. قررت حينها أن أذهب لمقهى لازلت أتردد عليه حتى يومنا هذا، مجرد الجلوس ومراقبة كل شيء حولي. لم أري جديداً، لا جديد علي الإطلاق، وبدأت أشعر بالعزلة.

شرعت في النظر لجريدة تركها أحدهم علي الطاولة المجاورة، وبدأت صفحة منها عشوائياً. اكتشفت نقد لكتاب قديم لـ (غوردجييف) تم نشره من قبل، وقد استخدم الناقد مقتطفات من هذا الكتاب:

الإيمان بوعي هو الحرية.

الإيمان الغريزي هو العبودية.

الإيمان الآلي هو الجنون.

الأمل بوعي قوة.

الأمل الوجداني جُبن.

الأمل الآلي مرض.

الحب بوعي يولد حب.

الحب الوجداني يولد مباغتة.

الحب الآلي يولد كره.

هناك يكمن الجواب: نفس العناصر (الإيمان، الأمل، الحب) بإختلافتهم البسيطة، تؤدي دائماً إلي عواقب مختلفة. لقد شرعت أدرك أن الخبرات المتكررة تخدم الغرض: فهي تعلمك ما لم تكن تعلمه. فمنذ ذلك اليوم، سعيت دوماً لحل أخر لكل صراعٍ متكرر، وشيئاً فشيئاً اكتشفت طريقي.

عندما التقينا ثانية، سألته عمَّا يجب فعله لتنظيم بحثي الروحاني الضئيل، والذي يبدوا أنه يقود للمجهول. وقد كان هذا ما أجاب:

” لا تحاول أن تتمسك برأي طوال الوقت، اكتشف فرحة المباغتة لنفسك. كونك متمسكاً برأيك ذلك يُحتَّم عليك دائماً أن ترتدي رابطة عنق تلائم جواربك. وذلك يعني أن تظل محتفظاً بنفس رأيك اليوم لغداً. وماذا عن العالم المتغير دائماً؟ طالما لا تؤذي أحداً، غيَّر رأيك الآن ومستقبلاً، وانقض نفسك دون أن تشعر بالخجل، فلديك كل الحق. لا يهم ما يفكر فيه الآخرون، لأنهم سيفكرون بأي طريقةٍ كانت.”

” لكننا نتحدث عن الإيمان؟”

” بالظبط! اذهب وافعل ما تشاء، حاول فقط أن تضع الحب في كل بادرة: سيكون ذلك كافياً لتنظيم بحثك. نحن لا نُقدِّر عادةً تلك الأشياء الني نفعلها كل يوم، ولكن تلك الأشياء هي التي تغير العالم حولنا. ونعتقد أن الإيمان مهمة العمالقة فقط، ولكن بمجرد أن تقرأ صفحات قليلة من سيرة ذاتية لأي رجلٍ مقدس وستكتشف أنه رجلٌ عادي تماماً – سوي تلك الحقيقة التي تُقر بأنه صمم ليشارك بأفضل ما عنده مع الآخرين.”

“الكثير من العواطف تحرك قلب الإنسان عندما تقرر أن تكرس نفسها للمسار الروحاني. وذلك ربما لسبب نبيل – كالإيمان، محبة جيراننا أو كالصدقة. أو قد تكون مجرد نزوة، كالخوف من الوحدة، الفضول أو الخوف من الموت. كل ذلك لا يهم. فالمسار الروحاني الحقيقي أقوي من الأسباب المؤدية إليه وشيئاً فشيئاً يفرض نفسه مع الحب، النظام و الشرف. تلك اللحظة التي تأتي حينما نسترجع الماضي، نتذكر بداية رحلتنا، ونضحك علي أنفسنا. لقد قطعنا شوطاً طويلاً من الرحلة، رغم كونها كانت لأسباب عقيمة جداً.”

” كيف أعلم علي الأقل أني قطعت هذا الطريق بحٌبٍ وشرف ؟

” الله يُسخر الوحدة ليعلمنا الحياة مع الآخرين، وأحياناً يُسخر الغضب لنفهم القيمة المطلقة للسلام. وفي أحيانٍ أخري يُسخر الملل عندما يريد أن يظهر لنا ضرورة المغامرة وترك الأشياء جانباً.

” الله يسخر الصمت ليعلمنا مسئولية ما نقول. وأحياناً يسخر الإرهاق لنعي قيمة الإستيقاظ. وأحياناً أخري يسخر المرض ليرينا أهمية الصحة.

” الله يُسخر النار ليعلمنا عن الماء. وأحياناً يسخر الأرض لنعي قيمة الهواء، وأحياناً يُسخر الموت عندما يريد أن يظهر لنا أهمية الحياة.”

” وماذا نفعل بصدد الشعور بالذنب و الذي يراودنا جميعاً؟”

“في واحدة من أسوأ لحظات صلب المسيح، واحدٌ من قاطعي الطريق لاحظ أن الرجل المحتضر بجواره كان ابن الرب. ” الله (سيدي)، تذكرني وأنت في السماء”، قالها اللص. ” بصدق، أنت معي اليوم في السماء”، أجابه المسيح، الأمر الذي جعل قاطع الطريق هذا أول قديس في الكنيسة الكاثوليكية: القديس ديماس.

” لا نعرف لماذا حُكم علي ديماس بالإعدام. الإنجيل يخبرنا أنه اعترف بإثمه وأنه صُلب جراء الجرائم التي ارتكبها. دعونا نفرض أنه ارتكب شيءٌ بشع، قاسٍ بما يكفي للإجهاز عليه علي هذا النمط، ولكن، ومع ذلك، في الدقائق الأخيرة من حياته، حُرر – ومُجّد – بفعل الإيمان.

” تذكر تلك العبرة عندما تشعر لأي سببٍ بأنك لست بقادرٍ علي مواصلة طريقك. “

 

 

 

Published November 8th, 2006